السيد محمد الصدر

33

نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان

أما بالنسبة إلى مبدأ تساوي المواطنين بالحقوق والواجبات فهو مما أكد عليه الإسلام ونزل به القرآن ، قال الله ( عز وجل ) في كتابه الحكيم : ( مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً ، وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيراً ) « 1 » فالمواطنون سواسية أمام القانون الإسلامي الخالد ، يجزي كُلًا منهم بإحسانه إحساناً ، وبذنوبه عقاباً ، من دون تمييز ولا تفضيل . بل إن الإسلام بنظره الثاقب وعدالته المستقيمة لَيذهب في المساواة إلى أبعد من ذلك . فالحاكم كما يجب أن يطبق القانون على المواطنين بالسَّويَّة وبدون أي تمييز ، فإنه أيضاً يجب عليه أن يخضع نفسه وخاصة أهله وأصدقائه ، فضلًا عن سائر معارفه ومتعلِّقيه ، للقانون نفسه ، فيخضع الظالم منهم للمظلوم من غيرهم ، وإلا كان ظالما مجحفاً بحق الآخرين . وذلك كما قال سيدنا ومولانا أمير المؤمنين وسيد الوصيين ( عليه الصلاة والسلام ) في عهده لمالك الأشتر النخعي عندما ولاه مصر : « أَنْصِفِ النَّاسَ مِنْ نَفْسِكَ وَمِنْ خَاصَّةِ أَهْلِكَ وَمَنْ لَكَ فِيهِ هَوىً مِنْ رَعِيَّتِكَ فَإِنَّكَ إِلَّا تَفْعَلْ تَظْلِمْ ، وَمَنْ ظَلَمَ عِبَادَ اللَّهِ كَانَ اللَّهُ خَصْمَهُ دُونَ عِبَادِهِ ، وَمَنْ خَاصَمَهُ اللَّهُ أَدْحَضَ حُجَّتَهُ وَكَانَ لِلَّهِ حَرْباً حَتَّى يَنْزِعَ وَيَتُوب » « 2 » . بل إن رئيس الدولة الإسلامية خاضع إلى قانون المساواة ، المساواة أمام العدالة ، والمساواة في الحالة الاقتصادية ، بل إنه أولى من سائر الشعب بذلك وأجدر ، لأنه مَثلٌ أعلى للشعب من ناحية فيجب أن يتعلمون منه الخصال الحميدة العالية ، وهو من ناحية أخرى رئيس للدولة ، فيجب أن يشعر مثل هذا الشخص بآمال وآلام شعبه ، ويعيش حالته الاقتصادية كأقل فرد في الشعب لئلا ينسى حالة الفقراء والمعوزين والمظلومين ، ولئلا تبطره النعمة ، فيستسلم إلى

--> ( 1 ) - سورة النساء : الآية ( 123 - 124 ) ( 2 ) - نهج البلاغة ، شرح محمد عبده : ج 3 ، ص 85